Card image cap
زيت الزيتون: بين القرآن والعلم
لعل الزيتون من أكثر الأطعمة التي حظيت بشرف الذكر في القرآن الكريم، فقد جاء ذكر الزيتون في سبعة مواضع من كتاب رب العالمين، وهي في قوله تعالى في الآية ( 99 ) من سورة الأنعام " وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انْظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٩٩﴾".

وقال الحق تبارك وتعالى في الآية ( 141 ) من سورة الأنعام:"وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۚ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ۖ وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴿١٤١﴾"، وقوله جل من قائل في الآية ( 11) من سورة النحل:"يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿١١﴾" ، وجاء ذكر الزيتون في الآية ( 29 ) من سورة عبس في قوله جل وعز: "وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا ﴿٢٩﴾" .

ولعل في كثرة ذكر الزيتون دلالة على عظم مكانة وأهمية هذه الشجرة الطيبة، حتى أن الله تعالى أقسم في كتابه العزيز فقال جل من قائل في الآية ( 1) من سورة التين:"وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴿١﴾" ، فالله تعالى لا يقسم بشيء مما خلق إلا لعلمه بعظمه وعلو شأنه على غيره من مثيلات جنسه. وفي آية النور دلالة أخرى على أهمية هذه الشجرة، قال تعالى في الآية( 35 ) من سورة النور: "اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٣٥﴾" ، فالله تعالى قد وصف الشجرة بأنها مباركة،وكفى به من وصف جامع لكل معاني الخير والنفع، كما امتدح زيتها بنقائه وصفائه وشدة إشعاعه، حتى كأنه يضيء ولو لم تمسسه نار، وفي هذا وصف دقيق لصفاء زيت الزيتون ونقائه، تماماً كما يجب أن تكون نفس المؤمن الذي يشع قلبه بنور الله تعالى، وفي قوله تعالى:" نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ" إشارة إلى صفة النورانية التي اكتسبها زيت الزيتون، وهي مستقاة من نور الله عزوجل " اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ"، وكأن لفظة النور توحي بسر من أسرار هذا الزيت المبارك التي أودعها الله عزوجل فيه.

وفي قوله تعالى:" لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ": أي لا يسترها عن الشمس في وقت النهار شيء ، فهي شرقية غربية، والشمس تصيبها بالغداة والعشي، فهو أنضر لها وأجود لزيتها كما قال المفسرون ،كما تشير الآية  لكريمة إلى اعتدال هذه الشجرة وتوسط طبيعتها من حيث كونها تنمو في أكثر بقاع الأرض توسطاً واعتدالاً، ومن حيث سهولة زراعتها وقلة كلفتها. لقد أثبت العلم الحديث أهمية تعرض شجرة الزيتون لأشعة الشمس المباشرة، فالتعرض المستمر لأشعة الشمس وما تحوي من الأشعة فوق البنفسجية ، يدفع هذا النبات إلى إنتاج مركبات تدعى مانعات التأكسد الطبيعية والتي تنتجها شجرة الزيتون كوسيلة لحماية نفسها من هذه الإشعاعات الضارة، فتصبح بذلك ثمار الزيتون مستودعاً للمركبات المانعة للتاكسد، وهي مركبات مفيدة لصحة الإنسان وتقوم بدور مهم وأساسي في المحافظة على صحته وحمايته من أمراض السرطان وأمراض القلب والشرايين.

وأخيرًا فقد ورد ذكر شجرة الزيتون تلميحاً في الآية ( 20 ) من سورة المؤمنون في قوله تعالى:"وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ ﴿٢٠﴾" ، وهي شجرة الزيتون بدلالة ذكر الدهن والصبغ  يها،على قول الكثير من أهل العلم، وهو ما سنعرج على ذكره لاحقاً .

أما السنة النبوية المطهرة، وهي شارحة القرآن الكريم ومرجع تفسيره ومكملته، فقد حفلت بذكر مناقب ومنافع تلك الشجرة المباركة، وبينت طرق استعمال زيتها ، فقد أخرج الترمذي في كتاب الأطعمة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة" وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة" أخرجه ابن ماجة والحاكم وقال الألباني حديث حسن. وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: " كلوا وادهنوا به فإن فيه شفاءً من سبعين داء منها الجذام"، وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنهأمن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" كلوا الزيت وادهنوا به فإنه طيب مبارك" . وقد يتساءل بعضهم قائلا: أن الأحاديث النبوية الشريفة لم تخصص ذكر زيت الزيتون، وكلمة زيت قد تحمل على أنواع أخرى من الزيت، خاصة أن جزيرة العرب لم يكن فيها زيتونٌ أصلاً بسبب الطبيعة الجافة التي لا تناسب نمو شجر الزيتون، الذي يتطلب مناخاً معتدلاً مائلاً إلى البرودة وتتوافر فيه الأمطار؟ والجواب أن زيت الزيتون هو من أقدم الزيوت التي عرف البشر استخدامها، فقد توصل الإنسان إلى انتاج زيت الزيتون منذ آلاف السنين، وعرف عن الإغريق والرومان اهتمامهم بشجر الزيتون وانتاج الزيت حتى قبل بعثة الإسلام، وها هي معاصرهم في الأردن ما زالت شاهدة على مدى اهتمامهم بانتاج هذا النوع من الزيوت، كما أن زيت الزيتون كان يصل إلى جزيرة العرب من خلال التجارة الموسمية التي كانت تقوم قريش في رحلة الصيف، حيث كان زيت الزيتون يجلب من بلاد الشام. وفي ذكر الزيتون في القرآن الكريم، وقد نزل على قوم لم يكونوا يزرعون هذه الشجرة، دلالة على معرفة العرب لهذا الزيت، حتى أن العرب لم يكن تعرف الزيت إلا زيت الزيتون، ففي لسان العرب المحيط لابن منظور:" الزيت: عصارة الزيتون"، اي أن كلمة الزيت مشتقة أصلاً من شجر الزيتون. وأخيرا فإن وصف الأحاديث النبوية الشريفة لزيت الزيتون ب"المبارك" "والطيب" ، متناسق مع وصف القرآن الكريم لشجرة الزيتون بالبركة، كما في قوله تعالى:"  يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ"، مما يدلل على أن الزيت المقصود في الأحاديث النبوية الشريفة هو زيت الزيتون. كذلك فإن هذا الزيت اكتسب صفة البركة من الأرض التي تنبت هذه الشجرة، وهي أرض الشام التي هي أكناف بيت المقدس التي باركها الله عزوجل من فوق سبع سماوات في سبعة مواضع من كتابه الكريم، أبرزها في قوله عز من قائل:"سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ"، فبركة هذه الشجرة وبركة زيتها مستوحتان من بركة أرضها.

إن الحديث عن الشجرة المباركة في القرآن الكريم يدفعنا إلى البحث في معاني البركة ودلالاتها، التي يمكننا إسقاطها على شجرة الزيتون وزيتها المباركين، فمن معاني البركة: الثبات والإقامة، فشجرة الزيتون قديمة عريقة الأصول عميقة الجذور في تاريخ الحضارة والإنسان، وهي شجرة ثابتة القوام، راسخة الأركان في الأرض، لا تقتلعها الرياح العاتية، وها هي أشجار الزيتون المعمرة منذ مئا ت السنين خير شاهد ودليل. ومن معاني البركة:الخيرة والكثرة؛ فهي شجرة خيرة عظيمة النفع كثيرة الفوائد وزيتها كذلك عظيم النفع كثير الإستعمال، ومن معاني البركة: التيمن والنماء والزيادة والسعادة، ففيها من أسباب المحافظة على الصحة ودرء المفاسد والأمراض ما يكون سبباً من أسباب حصول السعادة للإنسان، ومن معاني البركة كذلك: الصدارة في كل شيء؛ فقد حازت شجرة الزيتون قصب السبق وأصبحت موضع اهتمام العلماء لما لها من أهمية إقتصادية وصحية وغذائية وبيئية، ولا أدل على ذلك من إقامة المؤتمرات العالمية والمنتديات العلمية والمنظمات المختصة التي تعنى بشجرة الزيتون وبزيتها، ونضرب مثالا  IOOC واحدا على ذلك وهو المجلس العالمي لزيت الزيتون كما أن زيت الزيتون قد أصبح في طليعة الزيوت النباتية المهمة لصحة الإنسان،  لأفضليته الصحية والتغذويةعلى أنواع الزيوت ُأطلق عليه وصف "ملك الزيوت".

عدد المشاهدات 1171
عن المؤلف
معز الإسلام عزت فارس

قسم التغذية-كلية الصيدلة والعلوم الطبية المساندة-جامعة البترا الأردنية